الإمتداد
أثر الانحراف عن نهج النبي (ص)
يرى المنهج الإمامي أن الانحراف عن وصية النبي (ص) وإقصاء الإمامة المعصومة لم يبق حدثاً سياسياً محدوداً، بل تحول إلى سلسلة من الدماء، وتزييف الدين، وصناعة مذاهب السلطة، واضطهاد آل البيت (ع).
حصاد الانحراف: كيف تحولت الأمة من الرحمة المهداة إلى مسرح للدم وتزييف الدين؟
إن القراءة المتأنية للتاريخ الإسلامي تكشف حقيقة مروعة؛ وهي أن الدماء التي أريقت، والتصدعات العقائدية والفقهية التي عصفت بجسد الأمة، لم تكن مصادفات تاريخية عابرة، بل كانت النتيجة الحتمية والتسلسل المنطقي للخطيئة التأسيسية الأولى: الانحراف عن وصية رسول الله (ص) في يوم الغدير، وإقصاء القيادة الربانية المعصومة المتمثلة في أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع).
1. شرارة الفوضى الأولى: رزية الخميس وحصار بيت النبوة
لم يبدأ الانحراف بعد رحيل النبي (ص) فقط، بل تعود جذوره إلى الساعات الأخيرة من حياته الشريفة فيما يعرف برزية يوم الخميس. فحين طلب رسول الله (ص)، وهو على فراش الموت، كتفاً ودواة ليكتب للأمة كتاباً يعصمها من الضلال أبداً، جوبِه بقول عمر بن الخطاب (40 ق.هـ–23 هـ / 584–644 م):
«إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله».
المصدر: البخاري (194–256 هـ / 810–870 م)، صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم.
وكان هذا الشعار أول حركة التفاف لعزل العترة عن القرآن، وفتح الباب للاجتهاد البشري في قبال النص الشرعي.
وفور وفاة النبي (ص)، هرع القوم إلى سقيفة بني ساعدة في سباق مصلحي محموم لاقتناص السلطة وتأسيس شرعية الأمر الواقع. هذا الانقلاب أنتج فوراً أزمة شرعية استدعت اللجوء إلى القوة لفرض البيعة، وترجمت قسوة السياسة إلى تجرؤ غير مسبوق على حرمة بضعة المصطفى (ص)، فكان التهديد بإحراق الدار، وحصار بيت السيدة فاطمة الزهراء (ع)، لتنتهي هذه المأساة بالاستشهاد المفجع للسيدة فاطمة (ع)، التي فارقت الدنيا وهي غاضبة على من ظلمها.
ولتوثيق هذه الحادثة المفصلية، يروي ابن أبي شيبة (159–235 هـ / 776–849 م) في المصنف بسنده عن أسلم مولى عمر:
«أن عمر بن الخطاب جاء إلى بيت فاطمة فقال: يا بنت رسول الله، والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت».
كما ينقل ابن قتيبة الدينوري (213–276 هـ / 828–889 م) في الإمامة والسياسة تفاصيل الحصار بقوله:
«إن عمر دعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها».
فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة (ع). فقال:
«وإن».
وزاد أنهم ساقوا الإمام علياً (ع) كارهاً للبيعة، فصاحت السيدة فاطمة (ع):
«يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة».
2. حصانة الولاة وتصفية المعارضة: حادثة مالك بن نويرة
تجسد الانحراف التأسيسي في تقديم الولاء السياسي على الأحكام الشرعية والحدود الإلهية؛ وبرز ذلك علناً في قضية الصحابي مالك بن نويرة (ت 11 هـ / 632 م)، الذي قتله خالد بن الوليد (30 ق.هـ–21 هـ / 592–642 م) صبراً وهو مسلم يصلي، ودخل بزوجته في الليلة نفسها لمجرد امتناعه عن إرسال أموال الزكاة إلى سلطة الأمر الواقع.
وعندما طالب عمر بن الخطاب بإقامة الحد والقصاص من خالد، رفض الخليفة الأول أبو بكر (50 ق.هـ–13 هـ / 573–634 م) وقال عبارته:
«تأوّل فأخطأ، لا أشيم سيفاً سله الله على الكافرين».
فأسست السلطة بذلك لمفهوم حصانة الولاة الموالين، وإهدار دماء المعارضين تحت غطاء الاجتهاد والتأويل.
3. لعنة السلطة: دماء الحكام على مذبح السياسة
عندما أبعدت القيادة المعصومة، تحول الحكم من أمانة إلهية إلى غنيمة دنيوية يتكالب عليها الطامعون، فدخلت الأمة في نفق الاغتيالات والتصفيات السياسية التي طالت حتى المؤسسين لنهج السقيفة أنفسهم:
- أبو بكر: تذكر بعض المصادر التاريخية أنه مات متأثراً بسم دس له في طعام.
- عمر بن الخطاب: اغتيل طعناً بخنجر في محراب المسجد نتيجة الاحتقان المتزايد.
- عثمان بن عفان (47 ق.هـ–35 هـ / 576–656 م): ثار عليه الصحابة والمسلمون نتيجة تقريبه للطلقاء وبني أمية ومروان بن الحكم (2–65 هـ / 623–685 م)، وإغداق أموال الأمة عليهم، فحاصروه وقتلوه في داره، لتدخل الأمة في أتون فوضى شاملة.
4. الإمام علي (ع) وحروب الأمة ضد وصيها
عندما عادت الخلافة الظاهرية للإمام علي (ع) بعد مقتل عثمان، أراد إعادة الأمة إلى منهج العدالة المحض، فشنت عليه الأمة ثلاث حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس:
- حرب الجمل: بقيادة أعيان من الصحابة.
- حرب صفين: التي قادها معاوية بن أبي سفيان (20 ق.هـ–60 هـ / 602–680 م) لتأسيس الملك الأموي.
- حرب النهروان: ضد الخوارج.
وانتهت هذه المسيرة الشاقة باستشهاد أمير المؤمنين (ع) غيلة بسيف عبد الرحمن بن ملجم (ت 40 هـ / 661 م) في محراب مسجد الكوفة.
5. ضريبة الاصطفاء: مسلسل استشهاد الأئمة المعصومين (ع)
إن استبعاد الخط المعصوم جعل من أئمة الهدى (ع) معارضة ربانية تقض مضاجع الطغاة، فكان القتل والتسميم هو السياسة المعتمدة للخلاص منهم:
- الإمام الحسن بن علي (ع) (3–50 هـ / 625–670 م): خذل من جيشه الذي اشتراه معاوية بالمال، واغتيل بدس السم له عبر زوجته جعدة بنت الأشعث (ت نحو 50 هـ / 670 م).
- الإمام الحسين بن علي (ع) (4–61 هـ / 626–680 م): رفض بيعة يزيد بن معاوية (26–64 هـ / 647–683 م)، فواجه آلة القتل الأموية في مجزرة كربلاء العظيمة.
- الإمام علي بن الحسين السجاد (ع) (38–95 هـ / 659–713 م): عاش محنة الأسر بعد كربلاء، واغتيل بالسم في عهد الوليد بن عبد الملك (50–96 هـ / 668–715 م).
- الإمام محمد بن علي الباقر (ع) (57–114 هـ / 676–733 م): باقر علوم النبيين، دس له السم بأمر من الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (72–125 هـ / 691–743 م).
- الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (83–148 هـ / 702–765 م): نشر الفقه الشيعي الأصيل، واغتاله الخليفة العباسي المنصور (95–158 هـ / 714–775 م) بالسم.
- الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) (128–183 هـ / 745–799 م): قضى سنين إمامته في طوامير السجون المظلمة، حتى دس له السم في سجن السندي بن شاهك بأمر هارون الرشيد (149–193 هـ / 766–809 م).
- الإمام علي بن موسى الرضا (ع) (148–203 هـ / 765–818 م): أجبره المأمون العباسي (170–218 هـ / 786–833 م) على قبول ولاية العهد، ولما سطع نجم الإمام، اغتاله بالسم.
- الإمام محمد بن علي الجواد (ع) (195–220 هـ / 811–835 م): أفحم العلماء بحكمته الإلهية، واغتيل صغيراً بالسم بتوجيه من المعتصم العباسي (179–227 هـ / 796–842 م).
- الإمام علي بن محمد الهادي (ع) (212–254 هـ / 827–868 م): استقدمه المتوكل العباسي (207–247 هـ / 822–861 م) قسراً إلى سامراء ليضعه تحت الرقابة العسكرية، وقتل مسموماً.
- الإمام الحسن بن علي العسكري (ع) (232–260 هـ / 846–874 م): عاش في إقامة جبرية داخل معسكر سامراء لمنع امتداد خط الإمامة، وانتهت حياته بالسم على يد المعتمد العباسي (229–279 هـ / 844–892 م).
6. المحاكمة العقلية: هل يمكن للصدفة أن تتكرر أحد عشر مرة؟
هنا يطرح المحقق والباحث سؤالاً حاسماً يضرب جذور التبرير المغلف بعناوين مثل “الفتنة”، التي يخترعها البعض للتعمية على الحقائق والهروب من تسمية الظالم:
لماذا قتل أئمة أهل البيت (ع) واحداً بعد آخر؟ وهل يمكن للصدفة العشوائية أن تتكرر وتستهدف بالتحديد أولئك الذين أوصى رسول الله (ص) الأمة باتباعهم والتمسك بهم؟
إنها ليست صدفة، بل هو منهج منظم من السلطات المتعاقبة. ولم يقتصر هذا التنكيل على الأئمة الأحد عشر فحسب، بل تمدد ليشمل أولادهم، وأحفادهم، والصلحاء، والعلماء، وكل من عارض السلطة أو جهر بمودتهم التي فرضها الله في القرآن الكريم:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: 23).
فكانت مجازر فخ ودير الجماجم وملاحقة سادات بني هاشم وبناؤهم في الأسطوانات وهم أحياء، دليلاً على أن الانحراف التأسيسي أباح دماء هذه الشجرة المباركة وكل من يمت إليها بصلة.
7. كربلاء سنة 61 هـ: الفضيحة الكبرى ومؤشر موت ضمير الأمة
إن فاجعة كربلاء هي المؤشر الأكبر الذي كشف للملأ عمق الانحراف وموت ضمير الأمة المسلمة؛ فلولا استرخاص حرمة بيت النبوة في اليوم الأول بالسقيفة، لما تجرأت هذه الأمة بعد خمسين عاماً فقط على ذبح سبط النبي (ص) وريحانته الإمام الحسين (ع).
إن المسخ العقائدي وصل ذروته بأن يتقرب آلاف المقاتلين، ممن يشهدون الشهادتين ويصلون، إلى الله بزجر النبال ونحر الحسين (ع) وسحق عظام صدره. ولم يخف الطغاة دوافعهم الجاهلية؛ فقد أنشد يزيد في دمشق أبيات الثأر لأسلافه المشركين، ومنها:
«لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل».
ثم سيقت عقيلة الطالبيين السيدة زينب (ع) (5–62 هـ / 627–682 م) وبنات الوحي سبايا يطاف بهن في البلدان، تحت نظر أمة لم تتحرك فيها غيرة الدين.
8. واقعة الحرة سنة 63 هـ: استباحة المدينة وهتك مقدسات الصحابة
بعد كربلاء بسنتين، حصدت الأمة ثمار سكوتها عن ذبح الحسين (ع). خرج أهل المدينة على يزيد قائلين:
«إنا خرجنا على رجل لا دين له، يشرب الخمر ويلعب بالقرود».
فأرسل يزيد جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة المري (ت 63 هـ / 683 م)، وأمره باستباحة المدينة المنورة ثلاثة أيام.
وكانت النتيجة قتل أعداد كبيرة من المسلمين، بينهم من الصحابة وحملة القرآن، وانتهاك الحرمات، ودخول الخيول الروضة الشريفة، وتعطيل الصلاة في المسجد النبوي. وانتهت المأساة بإجبار الناجين على مبايعة يزيد على أنهم عبيد قن، أي مملوكون، يحكم في دمائهم وأعراضهم كيف يشاء، ومن رفض ضربت عنقه.
9. الانحراف العقائدي والفقهي: صناعة المذاهب البديلة ودين السلطان
لم يتوقف أثر الانحراف عند سفك الدماء، بل انعكس في البنية العقائدية والفقهية. فلما أقصي آل البيت (ع)، وهم خزنة علم النبوة المعصومون، فرض تعتيم معرفي شامل أحرقت فيه الأحاديث النبوية ومنع تدوين السنة زمناً طويلاً لدفن نصوص الإمامة وفضائل العترة، فنشأت مذاهب وتيارات ملأت الفراغ المعرفي باجتهادات بشرية في عرض فقه رسول الله (ص).
المذهب الجعفري ليس اختراعاً
يسمى مذهب أهل البيت (ع) بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر الصادق (ع). غير أن هذا المذهب ليس من اختراع الإمام، بل هو فقه وعقيدة رسول الله (ص) النقي؛ وإنما نسب إليه لأن الإمام استغل فترة ضعف الدولتين الأموية والعباسية لتأسيس جامعته العلمية وشرح الأحكام وتدوينها.
تتلمذ أصحاب المذاهب وصناعة المنافسة
إن أصحاب المذاهب السنية الأربعة تتلمذوا، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، على يد الإمام الصادق (ع). فأبو حنيفة النعمان (80–150 هـ / 699–767 م) هو القائل:
«لولا السنتان لهلك النعمان».
لكن هؤلاء، وبدلاً من إعلان الاتباع الكامل لإمام زمانهم، أسسوا بتشجيع وتوظيف سياسي مذاهب مستقلة صيرت منافسة لفقه رسول الله (ص).
سلطة السيف وعقائد التخدير
كانت هناك عشرات المذاهب الفقهية، إلا أن السلطة الحاكمة، خصوصاً العباسية والمملوكية لاحقاً، هي من تدخلت لدعم مذاهب أربعة وتثبيتها وفرضها بقوة القانون والسيف على المسلمين، خصوصاً في الأمصار الجديدة، بينما تركت المذاهب الأخرى تندثر.
وترافق ذلك مع رعاية السلطة لعقائد تخدم الطغاة، كعقيدة الإرجاء والجبر، لتبرير ظلم الحكام وتخدير الأمة.
10. مذهب المعارضة المحاصر: التضييق والقتل عبر العصور
في المقابل، تم التضييق الشديد والممنهج على مذهب آل البيت (ع) لأنه كان يمثل جبهة الرفض الدائمة لشرعية الحكام الفاسدين. لهذا السبب نجد اليوم أن الغالبية العظمى من العالم الإسلامي تدين بمذاهب مختلفة عن مذهب العترة؛ لأن الناس عبر القرون دانت بمذهب السلطة الحاكمة المحمي بالمال والسلاح، بينما كان مذهب آل البيت (ع) مذهب المعارضة والمطاردين.
وكان مجرد التحدث بفضائل الإمام علي (ع)، أو التعبد بفقه الإمام الصادق (ع)، كافياً لضرب عنق صاحبه، وهدم داره، وتشريده عبر العصور.
وحتى تتوافق هذه الحقائق مع السنن الإلهية، نجد مصداق الانحراف مسجلاً في القرآن الكريم الذي حذر استباقياً من ارتداد الأمم بعد أنبيائها:
﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144).
وموثقاً في حديث الحوض، حيث يقول رسول الله (ص):
«ليرفعن معي رجال منكم ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم».
المصدر: البخاري، صحيح البخاري؛ ومسلم، صحيح مسلم، بألفاظ متقاربة في أحاديث الحوض.
وتشهد بعض كلمات الصحابة على هذا التبديل، كقول أنس بن مالك (10 ق.هـ–93 هـ / 612–712 م) باكياً في البخاري:
«ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي (ص)!».
فقيل له: الصلاة؟ قال:
«أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها؟».
الخاتمة
إن القراءة الفاحصة والموضوعية لكل هذه الأحداث الدموية والمأساوية التي عصفت بالأمة بمجرد وفاة النبي (ص)، من قتل فظيع لآل بيته الأطهار، واقتتال داخلي مرير بين المسلمين تارة حول السلطة وتارة أخرى حول المعتقد، لا يمكن أن تفسر على أنها أحداث عشوائية أو مجرد فتنة عابرة. إن هذا الواقع التاريخي المأزوم هو المؤشر الحاسم والدليل القاطع على وقوع انحراف جذري وبنيوي عن خط الرسالة الأصيل.
وهنا، نجد أن تيارات لا دينية، أو جهات تحمل مواقف سلبية مسبقة من الإسلام، تستغل هذه الصفحات القاتمة والدموية من تاريخ المسلمين لتوجه نقدها إلى الإسلام نفسه، أو إلى أصل الدين وعقيدته، مدعية أن الدين لم ينتج إلا السيف والدماء. ولكن الحقيقة التي تغيب عن هؤلاء هي أن الإسلام بريء من هذه الأفعال، وأن ما حدث لا يمثل جوهر الدين، بل يمثل النتيجة الحتمية للانحراف والارتداد عن تعاليمه وسلب القيادة الشرعية من أصحابها.
وفي المقابل، نجد أن كثيراً من المسلمين يفضلون الهروب إلى الأمام والتعمية عن الحقائق التاريخية الموثقة حتى لا يروا واقع الانحراف، بل يسارعون إلى اتهام كل من يطرح هذه الإشكالات التاريخية والعقائدية العميقة بأنه ضد الدين أو يبتغي إثارة الفتنة. وهذا الهروب الفكري هو الذي أبقى الأمة في دوامة التيه المعرفي.
إن ما حدث للمسلمين في التاريخ، وما يحدث لهم اليوم من شتات وتفرق، هو ثمرة ذلك الانحراف التأسيسي. وبالتالي، فإن إدراك هذا الانحراف والاعتراف به هو الخطوة الأولى للإصلاح. وهذا الإصلاح لا يتحقق بالوقوف عند الشعارات، أو بمجرد القول التاريخي الجاف بأن الإمام علياً (ع) كان هو الأحق بالخلافة فحسب، بل إن الحل والمخرج يكمن في اتباعه العملي، والتمسك بفقهه وعقيدته، والرجوع الشامل إلى الإسلام المحمدي الأصيل الذي حفظه آل البيت (ع) بنقائه التام بعيداً عن أهواء الولاة والسلاطين.
ومن هنا، ترتبط هذه المأساة التاريخية وهذا الانحراف المستمر بقضية الإمام محمد بن الحسن المهدي (عج)؛ إذ اقتضت الحكمة الإلهية تغييبه لحفظه من مصير آبائه الطاهرين الذين اغتالتهم آلة الطغيان، وليكون هو المذخور الإلهي الباقي، والوعد القادم الذي سيخرج ليصحح هذا الانحراف التاريخي الطويل، ويهدم معالم دين السلطة، ويعيد الأمة إلى نبع الإسلام المحمدي الأصيل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً وانحرافاً منذ اليوم الأول لرحيل المصطفى (ص).
حين أُقصيت القيادة المعصومة، تحول الحكم من أمانة إلهية إلى غنيمة سياسية، وتحوّل الاختلاف الأول إلى سلسلة طويلة من الدم والتزييف.